المطران بول هندر



النائب الرسولي على جنوب الجزيرة العربية أبوظبي في 15 آب 2018 (عيد إنتقال السيدة العذراء)


"تكفيكَ نعمتي، لأن القوة هي الكمال في الضعف." (2 كورنثوس 12: 9)



أيها الاخوة والأخوات في المسيح،

1- السلام معكم! عندما بدأتُ بكتابة هذه الرسالة الرعوية، كنت في مستوصف الرهبان الكبوشيين في سويسرا أتعافى من جراحة ورك ناجحة. وخلال هذه الفترة كنت أعيش اختباراً مع الضعف والاتكالية. واختبرتُ لبضعة أسابيع أنَّ كثيراً من الأمور المُسَلَّم بها، كانت بكل بساطة، غير ممكنة. كنت أعتمد على مساعدة من الآخرين للقيام بالأشياء البسيطة في الحياة اليومية. مما ذكَّرَني بمدى سهولة نسيان هشاشتنا البشرية طالما أننا نتمتَّع بصحة جيدة. ساعدتني هذه التجربة على فهمٍ أفضل لأُناسٍ عاشوا مع إعاقة تحُدُّ من قدرتهم على العمل. نحن جميعاً نرغب في الحصول على صحة جيدة لأطول فترة ممكنة وأن نكون مستقلين وأسياداً على حياتنا. ومع ذلك، فإن الواقع هو أن الكثير من الناس لا يتمتعون بالصحة الجيدة التي يرغبون في الحصول عليها، ونحن بأجمعنا سنختبر ذلك عاجلاً أم آجلاً ونعيش اختبار أن تخضع أجسادنا وعقولنا لحدود وقيود ليس بمقدورنا التَّحَكُّم بها.



يستمر عمل الله في خضم الفشل البشري

2- توهِمُنا ثقافة اليوم بأن كل شيء ممكناً، وممكن على الفور أو على الأقل في غضون فترة زمنية قصيرة. والنتيجة هي أننا نفقد القدرة على الانتظار والتحمل. هذا صحيح ليس فقط بالنسبة لحياتنا المادية حيث أننا ننتظر دائما الحلول السريعة إذا كان هناك شيء لا يعمل كما ينبغي. بل أيضاً يصحُّ هذا بالنسبة لحياتنا الروحية. فنتمنى أن نرى تقدماً سريعاً في حياتنا الدينية. نريد أن نكون مثاليين، وبالتالي لا نرغب بأن ننظر إلى الظلمات والخطايا. وإذا فعلنا ذلك، ما زلنا نحاول الظهور للعامة بشكل أفضل مما نحن عليه في الحقيقة. قد ينطبق الشيء نفسه على حياتنا ككنيسة. نحن نريد رؤية مجتمع يمضي قدمًا بشكل واضح ويمكن اعتباره نموذجًا في النمو الروحي والحب المثالي. مع أننا نعرف بحسب اختبارنا أن الأمور لا تسيرعلى هذا النَّحُو. وحتى إذا رأينا في بعض الأحيان في حياة شخص أو مجتمع تغييراً سريعاً وجذرياً وحده اختبار الزمن سيثبت ديمومة هذا التغيير عندما ينتفي الحماس الأولي للتحول.

3- تعلمنا كلمة يسوع أن الأمور في ملكوت الله لا تكون على مثال التجارة أو تصنيع البضائع. لِنَستمِع إلى إنجيل مرقس: "وقال مثل ملكوت الله كمثل رجل يلقي البذر في الأرض. فسواء نام أو قام ليل نهار، فالبذر ينبت وينمي، وهو لا يدري كيف يكون ذلك. فالأرض من نفسها تخرج العشب أولا، ثم السنبل، ثم القمح الذي يملأ السنبل فما إن يدرك الثمر حتى يعمل فيه المنجل، لأن الحصاد قد حان" (مرقس 4: 26-29). في هذا المثل، الذي نجده فقط في إنجيل مرقس، يوضح يسوع أن الحبوب الكاملة ليست نتيجة لمجهود الإنسان ولكن الجهد الذي يبذله الله هو الذي يجعل البذرة تنمو وتنمو ليلاً ونهاراً، حتى عندما ينام الزارع. لا توجد وسيلة لجعلها تنمو بشكل أسرع ولا وسيلة لوقف ذلك. فعمل الله يجري "تلقائيا"، كما يقال في النص اليوناني الأصلي. الشيء الوحيد المطلوب هو الشجاعة "لنثر البذورفي الأرض"، بِغَضِّ النظر عمَّا إذا كان سَيَتِمُّ منح جزء من هذه البذور الفرصة لكي تنمو كما يقول الرب في أمثلة أخرى. على الرغم من أننا نريد أن نرى النجاح 100٪ في غالب الأحيان، علينا أن نعيش مع حقيقة أنَّ القضية لن تكون أبدا رهناً بمحدوديتنا وذنوبنا ونقائصنا البشرية. قال المفكر اليهودي العظيم مارتن بوبر مرة: "النجاح ليس من احدى أسماء الله!"ومع ذلك، فالله سوف يصل دائما إلى الأهداف التي يرسمها حتى من خلال التَّعَرُّجات والأخطاء في حياتنا.

النعمة وقوتها في مواجهة الضعف البشري

4- في الواقع، ما من إنسان في هذا العالم لا يمر بهذه الصعوبات بطريقة أو بأخرى. نحن جميعاً نمُرُّ بلحظات مؤلمة في حياتنا. أنا لا أفكر فقط في المشاكل الخطيرة للمرض، والحوادث والاضطرابات الاجتماعية والحروب والاضطهاد والبطالة وما شابه ذلك. كل هذه هي أحداث مؤلمة تزعجنا بشدة، نعم. ومع ذلك، ففي كثير من الأحيان هناك ألم آخر أكثر خطورة في أنفسنا عندما نختبر ضعفنا، وشعورنا بالذنب، وعجزنا. في كثير من الأحيان، نشعر بالخجل لأننا لسنا أسياد الوضع الخاص بنا فنشعر بالإهانة. نود أن نكون مثاليين ولا غبار علينا، ولكن الإختبار يفيدنا بأننا لسنا أطهاراً وقديسين. هذا يذكرني بما يقول القديس بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس عن تجربته الخاصة بعد الحديث عن النِّعَمِ الرائعة التي منحها الرب وهو يقول: "ولو أردت الافتخار لما كنت غبيا، لأني لا أقول إلا الحق. ولكني أعرض عن ذلك لئلا يظن أحد أني فوق ما يراني عليه أو يسمعه مني ومخافة أن أتكبر بسمو المكاشفات، جعل لي شوكة في جسدي: رسول للشيطان وَكَلَ إليه بأن يلطمني لئلا أتكبر وسألت الله ثلاث مرات أن يبعده عني، فقال لي: ( تكفيك نعمتي، فإن القدرة تبلغ الكمال في الضعف) فإني بالأحرى أفتخر راضيا بحالات ضعفي لتحل بي قدرة المسيح. "( 2 كورنثوس 12 :6-9)

5- نحن لا نعرف ما كان تأثير "ملاك الشيطان" في حياة القديس بولس. هناك العديد من النظريات حول ذلك. لعله كان شيئاً مخجلاً لبولس في لحظات معينة - حتى في الأماكن العامة، كما هو مذكور في رسالته إلى غلاطية (غل 4: 13-14) كان بولس ينشد الكمال كفريسي وأراد أن يفعل الأشياء بدون أيَّة إخفاقات مصاحِبة. هو كان مضطهِد مثالي "للطريقة الجديدة" قبل أن يلتقي بالمسيح. وهو أراد أن يكون تابعا مثالياً للرب بمجرد أن استدعاه في الطريق إلى دمشق. شعوره أنَّ كلَّ شيء لا ينجح كما يجب، عَلَّمَهُ دروس التواضع التي احتاجها وجعله يكتشف نعمة الله بشكل أفضل. وهكذا، يمكنه أن يكتب بكل تواضع إلى أهل فيلبي عندما يتحدث عن تمسكه بالمسيح: "ولا أقول إني حصلت على ذلك أو أدركت الكمال، بل أسعى لعلي أقبض عليه، فقد قبض علي يسوع المسيح أيها الإخوة، لا أحسب نفسي قد قبضت عليه وإنما يهمني أمر واحد وهو أن أنسى ما ورائي وأتطلَّع إلى الأمام فأسعى إلى الغاية، للحصول على الجائزة التي يدعونا الله إليها من عَلُ لننالها في المسيح يسوع."(فيل 3: 12-14). لم ينظر للخلف بل إلى الامام وبثقة في نعمة الله وهذا كان سرّ القديس بولس بأعماله المثمرة كرسولٍ للمسيح يسوع.

6- كان لدى بولس أسباب كافية للنظر إلى حياته أكثر بمشاعر متداخلة. حصل ذلك معه عدة مرات، ليس من أجل الوقوع في حالة من الاكتئاب حول ما كان خطأ بل من أجل الثناء على نعمة الله التي جعلته إنساناً جديدا. على عكس الكثيرين منّا لم يكن يشكو ليل نهار من أخطائه في الماضي والعيش في الخوف أمام الله. بمجرد أنْ شَهِدَ نعمة الله التي ظهرت في يسوع المسيح، كان يعلم أن لا شيء يمكنه أن يفصله عن حب الله. أقرأ المقطع الرائع في رسالته إلى الرومانيين حول هذا: "فماذا نضيف إلى ذلك؟ إذا كان الله معنا، فمن يكون علينا؟ إن الذي لم يَضَنَّ بابنه نفسه، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعاً، كيف لا يهب لنا معه كلَّ شيء فمن يتهم الذين اختارهم الله؟ الله هو الذي يبرر !ومن الذي يدين؟ المسيح يسوع الذي مات، بل قام، وهو الذي عن يمين الله والذي يشفع لنا؟ فمن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ فقد ورد في الكتاب: (إننا من أجللك نعاني الموت طوال النهار ونعد غنما للذبح) ولكننا في ذلك كله فزنا فوزا مُبيناً، بالذي أحبنا وإني واثق بأنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا أصحاب رئاسة، ولا حاضر ولا مستقبل، ولا قوات، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (روما 8: 31-39). علم بولس أن حياة المؤمنين مهددة بشكل دائم من جميع أنواع المخاطر. ومع ذلك، فقد اختبر أن نعمة الله كانت كافية، وبالتالي "الكمال يُصنَعُ في الضعف"...

لقراءة الرسالة كاملة

إضغط هنا